محمد الريشهري
250
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
حتى إذا تصرّمت الاُمور ، وتقضّت الدهور ، وأزِف ( 1 ) النشور ؛ أخرجهم من ضرائح القبور ، وأوكار الطيور ، وأوجِرة ( 2 ) السباع ، ومطارح المهالك ، سراعاً إلى أمره ، مهطِعين ( 3 ) إلى معاده . رعيلاً صُموتاً ، قياماً صفوفاً . ينفُذُهم البصر ، ويُسمِعهم الداعي . عليهم لَبوس الاستكانة ، وضرع الاستسلام والذلّة . قد ضلّت الحِيَل ، وانقطع الأمل . وهوَت الأفئدة كاظمةً ، وخشعت الأصوات مُهَينِمة ( 4 ) . وألجَمَ ( 5 ) العَرَقُ ، وعظُمَ الشَّفَق ، وأُرعِدت الأسماع لزَبْرة الداعي إلى فصل الخطاب ، ومُقايضة الجزاء ، ونَكال العقاب ، ونوال الثواب . عبادٌ مخلوقون اقتداراً ، ومربوبون اقتساراً ، ومقبوضون احتضاراً ، ومُضَمَّنون أجداثاً ، وكائنون رُفاتاً ( 6 ) . ومبعوثون أفراداً ، ومَدينون جزاءً ، ومميَّزون حساباً . قد أُمهلوا في طلب المخرج ، وهُدوا سبيل المنهج ، وعُمِّروا مَهَلَ المستعتِب ، وكُشِفت عنهم سُدَف ( 7 ) الرِّيَب ، وخُلُّوا لمضمار الجياد ، ورَوِيّة الارتياد ، وأناة المقتبِس المرتاد ، في مدّة الأجل ، ومضطرب المَهَل . فيالها أمثالاً صائبة ، ومواعظ شافية ، لو صادفت قلوباً زاكية ، وأسماعاً واعية ، وآراء عازمة ، وألبابا حازمة ! فاتّقوا الله تقيّة مَن سمعَ فخشع ، واقترف فاعترف ، ووجِل فعمِل ، وحاذَرَ
--> ( 1 ) أزِفَ : أي دنا وقَرُبَ ( النهاية : 1 / 45 ) . ( 2 ) أوجرة السباع : جمع وِجار ؛ وهو جُحْرها الذي تأوي إليه ( النهاية : 5 / 156 ) . ( 3 ) الإهطاع : الإسراع في العَدْو . وأهطَع : إذا مَدّ عنقَه ، وصَوّبَ رأسَه ( النهاية : 5 / 266 ) . ( 4 ) الهَيْنَمة : الكلام الخَفيّ لا يُفهَم ( النهاية : 5 / 290 ) . ( 5 ) الجمَ العرقُ : أي وصل إلى أفواههم ، فيصير لهم بمنزلة اللِّجام يَمنَعهم عن الكلام ( النهاية : 4 / 234 ) . ( 6 ) الرُّفات : الحُطام من كلّ شيء تكسّر ( لسان العرب : 2 / 34 ) . ( 7 ) سُدَفُ الرِّيَب : ظُلَمها ( النهاية : 2 / 355 ) .